اربع اسئله حول الامام صاحب الزمان علیه السلام

6 اکتبر 2009

إن القول بأن الامام المهدي لا یزال حیا یرزق منذ ولادته عام 255 هجریة إلی الان و أنه غائب سوف یظطهر بأمر من الله سبحانه ، أثار أسئلة حول حیاته وإمامته ، نذکر رووسها:

1- کیف یکون إمام و هو غائب ، و ما الفائدة المرتقبة منه في غیبته ؟

2- لماذا غاب؟

3- کیف یمکن أن یعیش إنسان هذه المدة الطویلة؟

4- ما هي اشراط و علائم ظورة ؟

هذه الاسئلة أثیرت حول الامام المهدي منذ أن غاب ، و کلما طالت غیبته اشتد الترکیز علیها ، و قد قام المحققون من علماء الامامیة بالاجابة علیها في مولفات مستقلة لا مجال لنقل معشار ما جاء فیها ، غیر أن الاحالة لما کانت عن المحذور غیر خالیة ، نبحث عنها علی وجه الاجمال ، و نحیل من أراد التبسط إلی المصادر المولفة في هذا المجال.

السوال الاول :

کیف یکون إماما و هو غائب ؟ و ما فائدته؟

أن القیادة و الهدایة و القیام بوظائف الامامة ، و هو الغایة من تنصیب الامام ، أو اختیاره ، و هو یتوقف علی کونه ظاهرا بین أبناء الامة ، مشاهدا لهم ، فکیف یکون إماما و قائدا ، و هو غائب عنهم؟!

و الجواب : علی وجهین نقضا وحلا.

أما النقض : فأن الترکیز علی هذا السوال یعرب عن عدم التعرف علی أولیاء الله و أنهم بین ظاهر قائم بالامور و مختف قائم بها من دون أن یعرفه الناس.

أن کتاب الله العزیز یعرفنا علی وجود نوعین من الائمة و الاولیاء للامة ، وليّ غائب مستور ، لا یعرفه حتی نبي زمانه ، کما یخبر سبحانه عن مصاحب موسی (ع) بقولة (( فوجدا عبدا من عبادنا آتیناه رحمة من عندنا و علمناه من لدنّا علما * قال له موسی هل أتّبعک علی أن تعلّمن مما علّمت رشدا)) الکهف /65-82

و وليّ ظاهر باسط الید ، تعرفه الامة و تقتدي به.

فالقرآن إذن یدلّ علی أن الولي ربّما یکون غائبا ، و لکنّه مع ذلک لا یعیش في غفلة عن أمته ، بل یتصرّف في مصالحها و یرعي شوونها ، من دون أن یعرفه أبناء الامة.

فعلی ضوء الکتاب الکریم ، یصح لنا أن نقول بأن الولي إما ولي حاضر مشاهد ، أو غائب محجوب.

و إلی ذلک یشیر الامام علي بن أبی طالب في کلامه لکمیل بن زیاد النخعي یقول کمیل : أخذ بیدي أمیر المومنین علي بن أبي طالب (ع) فأخرجني إلی الجبّان ، فلمّا أصحر ، تنفّس الصعداأ و کان مما قاله :« اللهم بلی ، لا تخلو الارض من قائم لله بحجّة ، إمام ظاهرا مشهورا ، أو خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله و بیّناته».

و لیست غیبة الامام المهدي ، بدعا في تاریخ الاولیاء ، فهذا موسی بن عمران ، قد غاب عن قومه قرابة أربعین یوما ، و کان نبیا ولیّا ، یقول سبحانه : (( و واعدنا موسی ثلاثین لیلة و أتممناها بعشر قتم میقات ربه أربعین لیلة * و قال موسی لأخیه هارون اخلفني في قومي و أصلح و لا تتبع سبیل المفسدین ))

و هذاا یونس کان من أنبیاء الله سبحانه ، و مع ذلک فقد غاب في الظلمات أن لا اله إلا أنت سبحانک إنّي کنت من الظالمین * فاستجبنا له و نجیناه من الغم و کلذلک ننجي المومنین ))

أو لم یکن موسی و یونس نبیّین من أنبیاء الله سبحانه ؟ و ما فائدة نبي یغیب عن الابصار ، و یعیش بعیدا عن قومه ؟

فالجواب في هذا المقام ، هو الجواب في الامام المهدي (ع) و سیوافیک ما یفیدک من الانتفاع بوجود الامام الغائب في زمان غیبته في جواب السوال التالي .

و إلی هذه الاجوبة أشار الامام المهدي (ع) في آخر توقیع له إلی بعض نوّابه ، بقوله : « و أما وجه الانتفاع بالشمس إذا غیّبها عن الابصار ، السحاب».

السوال الثاني:

لماذا غاب المهدي (ع) ؟

إن ظهور الامام بین الناس ، یترتّب علیه من الفائدة ما لا یترتب علیه في زمن الغیبة ، فلماذا غاب عن الناس ، حتی حرموا من الاستفادة من وجوده ، و ما هي المصلحة التي أخفته عن أعین الناس ؟

الجواب :

إن هذا السوال یجاب علیه بالنقض و الحل:

أمّآ النقض : فبما ذکرناه في الاجابة عن السوال الاول ، فإن قصور عقولنا عن إدراک أساب غیبته ، لا یجرّنا إلی إنکار المتضافرات من الروایات ، فالاعتراف بقصور أفهامنا أولی من ردّ الروایات المتواترة ، بل هو المتعیّن.

و أما الحل : فإن أسباب غیبته ، واضحة لمن أمعن فیما ورد حولها من الروایات ، فانّ الامام المهدي (ع) هو آخر الائمة الاثنی عشر الذین وعد بهم الرسول ، و أناط عزة الاسلام بهم ، و من المعلوم أن الحکومات الاسلامیة لم تقدّرهم بل کانت لهم بالمرصاد، تلقیهم في السجون ، و تریق دماءهم الطاهرة ، بالسیف أو السمّ، فلو کان ظاهرا ، لإقدموا علی قتله ، إطفاء لنوره ، فلاجل ذلک اقتضت المصلحة أن یکن مستورا عن أعین الناس ، یراهم و یرونه و لکن لا یعرفونه ، إلی أن تقتضي مشیئة الله سبحانه ظهورة ، بعد حصول استعداد خاص في العالم لقبوله ، و الانضواء تحت لواء طاعته ، حتی یحقق الله تعالی به ما وعد به الامم جمعاء من توریث الارض للمستضعفین .

و قد ورد في بعض الروایات إشارة إلی هذه النکتة ، روی زرارة قال : سمعت أبا جعفر (الباقر(ع)) یقول : إنّ للقائم غیبة قبل أن یقوم ، قال : قلت : و لم ؟قال : یخاف .قال زرارة : یعني القتل.

و في روایة أخری : نخاف علی نفسه الذبح .

السوال الثالث :

الامام المهدي و طول عمره ؟

أن من الاسئلة المطروحة حول الامام المهدي ، طول عمره في فترة غیبته ، فإنه ولد عام 255 ه ، فیکن عمره إلی الاعصار الحاضرة أکثر من ألف و مائة و خمسین عاما ، فهل یمکن في منطق العلم أن یعیش إنسانا هذا العمر الطویل ؟

و الجواب:

من وجهین ، نقصا و حلّا

أما النقض : فقد دلّ الذکر الحکیم علی أن شیخ الانبیاء عاش قرابة ألف سنة ، قال تعالی : فلبث فیهم ألف سنة إلا خمسین عاما))

و قد تضمّنت التوراة أسماء جماعة کثیرة من المعمرین ، و ذکرت أحوالهم في سفر التکوین.

و قد قام المسلمون بتألیف کتب حول المعمّرین ، ککتب « المعمرین» لإبي حاتم السجستاني ، کما ذکر الصدوق أسماء عدة منهم في کتاب « کمال الدین » ، والعلامة الکراجکي في رسالته الخاصة ، باسم « البرهان علی صحة طول عمر الامام صاحب الزمان » ، والعلامة المجلسي في البحار و غیرهم.

و أما الحل : فإن السوال عن إمکان طول العمر ، یعرب عن عدم التعرّف علی سعة قدرة الله سبحانه : ((و ماقدروا الله حق قدره)) ، فإنه إذا کانت حیاته و غیبته و سائر شوونه ، برعایة الله سبحانه ، فأي مشکلة في أن یمدّ الله سبحانه في عمره ما شاء ، و یدفع عنه عوادي المرش و یرزقه عیش الهناء.

و بعبارة أخری : إن الحیاة الطویلة إما ممکنة في حد ذاتها أو ممتنعة ، و الثاني لم یقل به أخد ، فتعیّن الاول ، فلا مانع من أن یقوم سبحانة بمدّ عمره ولیّه ، لتحقیق غرض من أغراض التشریع.

أضف إلی ذلک ما ثبت في علم الحیاة ، من إمکان طول عمر الانسان إذا کان مراعیا لقواعد حفظ الصحة ، و أن موت الانسان في فترة متدنیة ، لیس لقصور الاقتضاء ، بل لعوارض تمنع عن استمرار الحیاة ، ولو أمکن تحصین الانسان منها بالادویة و المعالجات الخاصة لطال عمره ما شاء.

و هناک کلمات ضافیة من مهره علم الطب في إمکان إطالة العمر، و تمدید حیاة البشر ،نشرت في الکتب و المجلات العلمیة الختلفة.

و بالجملة ، اتفقت کلمة الاطباء علی أنّ رعایة أصول حفظ الصحة ، توجب طول العمر ، فکلما کثرت العنایة برعایة تلک الاصول ّ طال العمر ، و لاجل ذلک نری أنّ الوفیات في هذا الزمان ، في بعض الممالک ، أقل من السابق ، والمعمّرین فیها أکثر من ذي قبل ، و ما هو الا لرعایة أصول الصحة ، و من هنا أسست شرکات تضمن حیاة الانسان إلی أمد معلوم تحت مقررات خاصة و حدود معیّنة ، جاریة علی قوانین حفظ الصحة من کل وجه ، طال عمره إلی ما شاء الله.

و إذا قرأت ما تدوّنه أقلام الاطباء في هذا المجال ، یتضح لک معنی قوله سبحانه : (( فلو لا أنه کان من المسبّحین * للبث في بطنه إلی یوم یبعثون))

فإذا کان عیش الانسان في بطن الحیتان ، في أ,ماق المحیطات ، ممکنا إلی یوم البعث ، فکیف لا یعیش إنسان ، علی الیابسة ، في إجواء طبیعیة تحت رعایة الله و عنایته ، إلی ما شاء الله؟

السوال الرابع:

علائم ظهوره (ع) ماهي؟

إذا کان للامام الغائب ، ظهورا بعد غیبة طویلة ، فلا بد من أن یکون لظهوره علائم و أشراط تخبر عن ظهوره ، فما هي هذه العلائم؟

الجواب:

إنّ ما جاء في کتب الاحادیث من الحوادث و الفتن الواقعة في آخر الزمان علی قسمین :

قسم هو من أشراط الساعة و علامات دنو القیامة .

و قسم هو مایقع قبل ظهور المهدي المنتظر.

و ربما وقع الخلط بینهما في الکتب،ونحن نذکر القسم الثاني منهما ، و هو عبارة عن دمور عدة ،منها:

1-النداء في السماء

2-الخسوف و الخسوف في غیر مواقعهما.

3-الشقاق و النفقاق في المجتمع

4-ذیوع الجور و الظلم و الهرج و المرج في الامة

5- ابتلاء الانسان بالموت الاحمر و الابیظ

6-قتل النفس الزکیة

7- خروج الدجال

8-خروج السفیاني.

و غیر ذلک مما جاء في الاحادیث الاسلامیة.

هذه هي علامات ظهورة ، و لکن هناک أمورا تمهد لظهوره و تسهل تحقیق أهدافه نشیر إلی أبرزها :

1-الاستعداد العالمي: و المراد منه أن المجتع الانساني _و بسبب شیوع الفساد_ یصل إلی حدّ، یقنط معه من تحقق الاصلاح بید البشر ،و عن طریق المنظمات العالمیة التي تحمل عناوین مختلفة ،و أ« ضغط الظلم و الجور علی الانسان یحمله علی أن یذعن و یقرّ بأن الاصلاح لا یتحقق إلا بظهور إعجاز إلهي ، وحضور قوّة غیبیة ، تدمّر کل تلک التکتلات البشریة الفاسدة ، التي قیدت بأسلاکها أعناق البشر.

2- تکامل العقول : إن الحکومة العالمیة للامام المهدةي (ع) لا تتحقق بالحروب و النیران و التدمیر الشامل للاعداء ، و إنما تتحقق برغبة الناس إلیها ،وتأییدهم لها ، لتکامل عقولهم و معرفتهم.

یقول الامام الباقر(ع) في حدیث له یرشد فیه إلی أنه إذا کان ذلک الظرف ، تجتمع عقول البشر و تکتمل أحلامهم :« إذا قام قائمنا ،وضع الله یده علی رووس العباد،فیجمع عقولهم ، تکتمل به أحلامهم ».

فقوله (ع) : فیجمع بها عقولهم ، بمعنی أن التکامل الاجتماعي یبلغ بالبشر إلی الحد الذي یقبل فیه تلک الموهبة الالهیة ،و لن یترصد للثورة علی الامام و الانقلاب علیه ،وقتله أو سجنه.

3-تکامل الصناعات : إن الحکومة العالمیة الموحّدة لا تتحقق إلا بتکامل الصناعات البشریة ، بحیث یسمع العالم کلّه صوته و نداءه، وتعالیمه وقوانینه في یوم واحد ،و زمن واحد.

قال الامام الصادق (ع) : « إن المومن في زمان القائم ،و هو بالمشرق یری أخاه الذي في المغرب ،و کذا الذي في المغرب یری أخاه الذي بالمشرق ».

4-الجیش الثوري العالمي: إن حکومة الامام المهدي (ع) و إن کانت قادمة علی تکامل العقول ، ولکن الحکومة لا تستغني عن جیش فدائي ثائر و فعّال ، یمهّد الطریق للامام (ع) و یواکبه بعد الظهور إلی تحقق إهدافه و غایاته المتوخاة

الانتظار

30 جولای 2009

هنا ننتقل إلى الانتظار بعد هذه المقدمة، ويتضح أو يقترب معنى الانتظار إلى الذهن، انتظار الإمام صلوات الله وسلامه عليه، ماذا يعني حينئذ؟ يعني انتظار الفضائل، شمس الفضائل التي غاب قرصها عن العالم، وينتظر كل البشر هذا القرص أن يظهر من جديد فيشع على البشرية كمالاً وعقلاً وروحاً متكاملة وسعادة، هذه الشمس التي غربت فغرب معها كل خير وغرب معها العقل الكامل.

الآن _ في الواقع _ من أكبر ما يعانيه البشر ضعف العقل، العقل الإنساني لا يستخدم في هذه الدنيا استخداماً كاملاً وتاماً، لا نستخدم نحن من عقولنا إلاّ نسبة ضئيلة جداً..من الذي يفجر هذه الطاقات؟ ومن الذي إذا ظهر مسح على رؤوس الخلائق فتكمل عقولهم؟ هو الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه.

وبلا شك إن الرواية أنه إذا ظهر يمسح بيده على رؤوس الخلائق فتكتمل عقولهم.(4) لا شك إن هذا لا يعني أن الناس _ مثلاً _ يمرون أمام الإمام والإمام يمسح على رؤوسهم، ليس هذا هو المقصود، بل المقصود وجود الإمام، والتعبير بـ «يد الإمام» يعني سيطرة الإمام وهيمنة الإمام على الناس ورعايته للناس الفكرية والروحية، هذه ببركتها تكتمل عقول الناس تربية وتعليماً وترقية، مع عنايات إلهية طبعاً، مع معجزة وكرامة بلا شك.

فإذن الإمام انتظاره يعني انتظار الكمال الإنساني، انتظاره يعني انتظار فرج الناس جميعاً، انتظاره يعني انتظار السعادة التي ترتقب البشر والتي ينتظرها البشر ويرنو إليها البشر جميعاً.

وعلى ذلك حينما نأتي إلى الروايات التي تتحدث عن الانتظار:

عن النبي صلى الله عليه وآله: (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج)(5) أفضل الأعمال..مع هذه المقدمات وهذا البيان لعله يتضح أن الانتظار المقصود به في الرواية ماذا؟ الانتظار الذي يعني أنك تنتظر الكمال وتتهيأ له، هناك مثل بسيط اضربه للتوضيح: إذا أخبرت أن شخصية مرموقة بارزة سيزورك في دارك في منزلك، ماذا ستفعل؟ بلا شك أنك ستهيئ نفسك ودارك وأهلك وأولادك وكل ما في وجودك تهيئه لانتظار هذه الشخصية العظيمة المحترمة، فتدخل إلى الدار وتحاول أن ترتبها من جديد، وإذا كان أثاثها قديماً تبدل الأثاث إلى أثاث أفضل، وإذا كانت تحتاج إلى صبغ الجدران تصبغ الجدران حتى تبدو زاهية ناصعة، وإذا كان فيها أشياء لا تليق من قبيل وجود تماثيل مثلاً فيها أو صور غير مناسبة أو غير ذلك أنت سوف تستقبل مرجعاً، المفروض أن يدخل ذلك الإنسان وينظر إلى الأشياء كما يناسبه إلى ما يسره ويفرحه، فأنت سوف تزيل كل ما من شأنه أن يزعج هذا الضيف الكريم، وسوف ترتب دارك على طبق ما يحب ذلك الزائر، وسوف ترتب الوجبة التي هو يحبها والأجواء التي هو يريدها حتى تكون قد استقبلت ذلك الضيف الكبير بشكل لائق.

هنا نحن بانتظار الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، انتظاره ماذا يعني؟! انتظاره يعني أن نهيئ أنفسنا وحياتنا لاستقباله، وبلا شك أن الإمام المهدي هناك خصوصية فيه، وهي أنّه حينما يظهر هو مطلع على السرائر ولا يستطيع أحد أن يخفي سريرته على الإمام(6)، ويتعامل مع الناس أيضاً بشكل خاص، فيسير بهم بسيرة داوود.

فعلى هذا إذا ظهر الإمام ولم أكن قد هيأت قلبي ونفسي لاستقباله كيف أكون منتظراً له؟! كيف يهيئ الإنسان نفسه؟

يطهّر هذا القلب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ويزكي نفسه، ويخلص نفسه من الأمراض النفسية والشوائب والحقد وحب الدنيا والحسد والبغضاء، فكل هذه الصفات ينبغي أن يطهر الإنسان نفسه منها، وإلا إذا ظهر الإمام واطلع على قلبه بلا شك لن يكون عنده مرضياً، يعني في أحسن الأحوال لم يكن معتبراً عنده، هذا إذا لم يتعرض للعقوبة.

وهكذا الحياة من حولنا، فينبغي أن نهيئ ما حولنا بعد تهيئة النفس نهيئ ما حولنا للإمام، أن تكون حياتنا مهيأة لاستقباله، حياة طاعة حياة طهارة، أن نهيئ أولادنا للإمام.

فالإنسان الذي يهمل أولاده ويترك ابنه ضحية وفريسة للتلفزيون والفضائيات وأمثال ذلك هل يمكن لهذا أن يكون منتظراً؟ كيف يخرج الإمام وكيف ينظر إلى ولده حين ذاك؟ هل تريد أن تقدم للإمام هدية بهذا الشكل؟ نحن نحاول دائماً أن نكون نحن وأبناؤنا وذرارينا جنداً مجندةً للإمام (ع).

فإذا أردت أن تقدم جندياً إلى الإمام تقدمه بهذا الشكل ولد يكبر على التلفزيون والفضائيات ولا يعرف من دينه شيئاً، ولا يعرف من أحكام دينه شيئاً عقائده غير واضحة وسلوكه غير مستقيم.. هكذا يريد منا الإمام؟ إن هذا ليس بانتظار.

الانتظار الصحيح بمفهومه الذي يطرح هنا في هذا الحديث (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج) أن تتهيأ، أولاً تهيئ نفسك ثم تهيئ ما حولك..أولادك وعائلتك وبيتك ومجتمعك، وتحاول أن تكون في كل ذلك مرتقباً للإمام ناظراً إلى ذلك اليوم السعيد الذي يظهر فيه فيراك على أحسن أهبة فتكتمل السعادة.

تصور حالة المؤمن إذا ظهر الإمام وأهمله كم تكون المصيبة عظيمة، إذا ظهر الإمام وأعرض عنك وأشاح بوجهه عنك، لماذا؟ لأنك لم تفعل كذا لم تزكّ أموالك ولم تخمس، فالإمام لا يدخل بيتاً غير مخمس، ولا يجلس إلى سفرة فيها طعام حرام، ولا ينظر إلى وجه ولا يزكي أحداً انغمس في المحرمات.

نحن منتظرون للإمام، ينبغي أن نكون قد هيأنا أنفسنا لذلك اليوم لتكتمل السعادة، كم هي سعادة المؤمن حينما يظهر إمامه وسيده وحجة الله عليه ابن رسول الله يظهر فيستقبلنا بوجه ضحوك ويستقبلنا بذراع مفتوحة، حينذاك تكتمل الفرحة، حينذاك يشعر الإنسان المؤمن بأنه نجح في الامتحان وأنه عبر مرحلة الانتظار إلى النجاح.

ثم قد تقول: إننا قد نموت قبل أن يظهر الإمام، أقول: نعم الروايات تؤكد أن من مات منتظراً للإمام على هذه الهيئة في الانتظار للاستعداد التام في النفس وفي ما حول الإنسان كتب في معسكر الإمام.

الرواية تقول: (ما ضرّ من مات منتظراً لأمرنا أن لا يموت في وسط فسطاط القائم)(7) أي أنه لو مات وهو في وسط العسكر لما كان أحسن حالاً منه وقد مات منتظراً.

الانتظار في حد ذاته رتبة يحصل عليها الإنسان، جائزة يحصل عليها الإنسان، سواء أدرك الظهور أو لم يدرك. ثم هناك روايات أخرى تقول أن من مات منتظراً مترقباً للإمام قد يظهر مع الإمام في الرجعة(8)، يرجع مع الإمام ويظفر بتلك المرتبة العظيمة في نصرة الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لرضاه، وأن يوفقنا لتتبع هداه، وأن يعجل فرجه ويسهل مخرجه، ويجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه.

والحمد لله رب العالمين

الهوامش:

________________________________________

(1) سورة البقرة، الآية: 3.

(2) راجع كمال الدين للشيخ الصدوق: 346.

(3) راجع التوقيع الشريف الى الشيخ المفيد في كتاب الاحتجاج للطبرسي ج2: 322_ 325: وفيه : (.. ونحن وإن كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين… فإنّا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يغرب عنّا شيء من أخباركم…إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء…)، وفي توقيع آخر: (… لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب…).

(4) كمال الدين للصدوق: 674، ولفظه: عن أبي جعفر الباقر (ع) :( اذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم).

(5) كمال الدين للصدوق: 644، وروي أيضاً بلفظ: ( أفضل العبادة انتظار الفرج).

(6) عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله (ع):( إذا قام القائم (ع) لم يقم بين يديه أحد من خلق الرحمن إلا عرفه صالح هو أم طالح…)، راجع كمال الدين للصدوق: 671، ح 19_ 20.

(7) الكافي للكليني، ج1: 372، ح6، كتاب الغيبة للنعماني: 200.

(8) لاحظ الكافي 1 / 370 باب أنه من عرف إمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر، إكمال الدين وإتمام النعمة / 644 باب ما روي في ثواب المنتظر للفرج

الایمان بالامام المهدی علیه السلام

30 جولای 2009

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة الإيمان بالإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه لها جانبان:

الجانب الأول: الفكري العقائدي:

ويتضمّن إثبات النص على الإمام، إثبات إمامة الإمام، إثبات اسمه واسم أبيه وأنه من ولد فاطمة صلوات الله عليها، طول عمر الإمام، وإثبات إمكان أن عمره يمكن أن يطول كما طالت الأعمار سابقاً، كما طال عمر الخضر وأمثال الخضر، إثبات أو الحديث عن مقدمات ظهوره، الحديث عن أيام ظهوره..وهكذا.

هذا الحديث في الواقع جانب تأريخي عقائدي، وقد تكفل بهذا الجانب مئات الكتب في الحديث عن هذه الجوانب، تكفل بذلك مئات الكتب والرسائل والبحوث التي كتبت حول الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه من الفريقين.

لا تتصور أن مسالة الإمام المهدي مسألة خاصة بنا نحن فقط الشيعة، فهذه المسالة مسألة عامة يمكن أن نجزم أنها مسألة بشرية عامة لا فقط إسلامية عامة، المسلمون جميعاً يعتقدون بها وكتبوا فيها، وعلماء المسلمين جميعاً كانت لهم مؤلفات ومصنفات حول هذا الإمام وحول ظروف غيبته وحول ظروف ظهوره وحول اسمه واسم أبيه وبقية التفاصيل عنه.

وهكذا يمكن تعميم المسألة إلى غير المسلمين، إذ نجد غير المسلمين من الطوائف الدينية أيضاً يعتقدون برجل يأتي في آخر الزمان لينشر العدل في الأرض غاية الأمر أنهم يختلفون عنا في تعيين اسم الرجل وفي تعيين المصدر الديني أو المنبع الديني للرجل هل هو مسلم أم غير مسلم، القضية هنا يكون فيها اختلاف، ليس أكثر.

وأما أصل المبدأ، الذي هو مبدأ وجود مصلح في آخر الزمان، فإنه مبدأ إنساني عام.

هذه المسألة من الجانب الأول، الجنبة الأولى هي مسالة عقائدية فكرية تأريخية تكفّل ببيانها مئات الكتب والرسائل والبحوث.

الجانب الثاني: الجانب الوجداني:

الجانب الوجداني ما معناه؟ كيف نتعامل مع هذه العقيدة مع هذه الفكرة بشكل يجعلها فاعلة في حياتنا كما نتعامل مع أي حقيقة أخرى فاعلة في الحياة؟

ونذكر _ من باب المثل _ مسألة المال، الأموال هذه الأداة التي سيستخدمها الإنسان في حياته، في كل تصرفاته وحركاته ومعاملاته، هذه مسألة فاعلة في الحياة، بمعنى أن لها تأثيراً فاعلاً جداً وقوياً جداً في الحياة، فلا تكاد تخلو معاملة من مال، ولا تكاد تخلو حركة من حركات الإنسان من هذه المسألة، وكثير من المشاكل التي تنشأ في الحياة منشؤها المال، فالنزاعات المالية والمشاكل والجرائم كثير منها ينشأ من المال، حتى الحروب الكبيرة تنشأ من المال.

إذن مسألة المال مسألة لها فاعلية، لها تأثير في حياة الإنسان، الإنسان يحمل همها وتؤرقه وتسهره، الإنسان إذا خسر لا ينام الليالي، تمر عليه ليالٍ طويلة لا ينام. فإذن المسألة مهمة جداً، داخلة في وجود الإنسان، تؤثر فيه.

هذا الذي نريد أن نقوله: كيف نجعل مسألة الإمام المهدي (ع) مسألة فاعلة في حياة الإنسان كفاعلية المال بل أكثر؟ كيف نتعامل مع الإمام الحي الغائب؟، هذا الإمام الذي يعيش بين أظهرنا يرانا و لا نراه، يرقب أفعالنا ويشهد علينا أمام الله، هو الإمام المسؤول عنا نحن جيل عصر الغيبة؟ هذا هو الإمام المسؤول عنا كيف نتعامل معه؟ هل نتعامل معه كغيب وفكرة من الأفكار؟

نعم ثبتت هذه الفكرة بالدلائل العلمية وبالبراهين الثابتة، و نعتقد بها، لكن لا نتجاوز هذه العقيده إلى أكثر من ذلك، هي فكرة من الكتب و نمر عليها بين مناسبة و أخرى و نتحدث عنها لا أكثر، هل نقف عند هذا الحد أم أننا نريد أن نتجاوز العقيدة إلى الاطمئنان..

إلى الاطمئنان القلبي وإلى جعل هذه الفكرة أمراً فاعلاً في حياتنا بحيث تسهرنا كما يسهرنا المال وتؤرقنا كما يؤرقنا المال وحب الولد وحب الدنيا، بل أكثر من ذلك، فالمفروض في المؤمن أن يبحث عن كيفية تفعيل هذه الفكرة في حياته وإنزالها إلى واقعه.

هناك _ في الواقع _ نقاط ومراحل علينا أن نفهمها جيداً حتى نصل إلى إمكانية هذه العملية..عملية تفعيل العقيدة في الحياة وجعلها أمراً فاعلاً في حياة الإنسان مشاركاً في قرارات الإنسان في حياته.

أولاً: يجب أن نعلم أن الإمام صلوات الله عليه حي يرزق، كثير منا يغفل عن ذلك..صحيح نحن نعتقد انه حي موجود لكن شعورنا بحياته يكاد يكون منعدماً أو ضعيفاً جداً، لا نشعر بأنه موجود، وهذه في الواقع مسألة تتعلق بالإيمان بالغيب (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(1) الذي يؤمن بالغيب يستطيع أن يشعر بالغيب وإن لم يره بعينه الباصرة.

الإمام المهدي وإن كنّا لا نراه بهذه العين، لكن المفروض أن نراه بعين البصيرة، المفروض أن نعيش معه بالقلب.

الإمام حي يرزق يعيش بين أظهرنا ويحضر مواسمنا الرئيسية كمسلمين، يحضر الحج ويقف عرفة، لذلك الواقفون في عرفة في ذلك اليوم العظيم هم أقرب الناس إلى صاحب الأمر صلوات الله وسلامه عليه، لأنهم يقفون معه على صعيد واحد، في ذلك الصعيد صعيد عرفة(2)، يحضر المواسم، يحضر زيارة الإمام الحسين (ع) في ليالي الجمع، وفي المواسم الرئيسية في الأربعين وغير الأربعين، ويحضر مجالس الشيعة، ويحضر محافل المسلمين، غاية الأمر أنك لا تراه، وكون الشخص لا يراه لا ينبغي أن يؤثر في عقيدته بأنه موجود وفي شعوره بوجوده، هذا الشعور ينبغي أن يتعمق بأنه موجود ومراقب، والرقابة هذه طبعاً ينبغي التنبيه على أنها ليس مثل أي رقابة أخرى، فرقابة الإمام المهدي علينا وشهادته على أعمالنا تختلف عن بقية الرقابات، فمثلاً أنت إذا دخلت إلى سوق ضخم مراقب بالكاميرات حتى لا يسرق أحد وأنت تعلم حينما تدخل إلى ذلك السوق بأنك مراقب فتكون حذراً، لكن هذا الحذر في الواقع حذر سلبي بمعنى أنّك تشعر أن الذي يراقبك يريد أن يمسك عليك عثرة لكي يجازيك ويأخذ منك الحق.

أما رقابة الإمام المهدي علينا فهي رقابة من نوع آخر، رقابة المحب، ورقابة الرؤوف، ورقابة الأب الذي يرقب أولاده ورعيته، يرقبهم كيف يكبرون وكيف يتكاملون وكيف يسيرون في هذه الحياة، رقابة من نوع آخر ليس رقابة إنسان مترصد للعيوب إنما رقابة أب رحيم يريد لنا الصلاح ويريد لنا التسديد، رقابة من يرفع يده دائماً في الدعاء لنا ليلاً ونهاراً أن يسددنا الله عز وجل وأن يحفظنا وأن يوفقنا للطاعة وأن يثبتنا على الإيمان..الإمام في دعاء دائم لشيعته بل لكافة المسلمين.

فإذن هذا هو الأمر الأول، ينبغي أن نشعر بالرقابة وأن الإمام عينه مفتوحة علينا دائماً وأنه حي يرزق بين أظهرنا.(3)

ثانياً: ينبغي أن نعتقد أن وجوده صلوات الله وسلامه عليه هو سبب بقائنا واستمرار بقائنا، وهو البركات التي تحل بنا، فهو الواسطة بين الله تبارك وتعالى وبيننا في إيصال كل خير، وجودنا رهين بوجوده، البركات والنعم التي نتمتع بها رهينة بدعائه ورهينة برضاه، هذه مسالة أخرى.

وهو أيضاً يمكن تسميته بالمنعم، لأنه واسطة في النعمة، والمنعم الأول والأصيل هو الله تبارك وتعالى، والواسطة في هذه النعمة الإمام المهدي عجل الله فرجه فهو أيضاً منعم بدرجة من الدرجات، فينبغي النظر إليه نظر الامتنان والشكر. ثالثاً: ينبغي أن نعلم ونتيقن أن رضى الله تبارك وتعالى مرهون برضاه صلوات الله عليه، فإذا لم يرض عنك إمامك اعلم أن الله غير راض عنك، لا يمكن لأحد أن يصل إلى رضى الله عز وجل إلا عن هذا الطريق، الطريق الذي عينه الله تبارك وتعالى، وهو الإمام الحاضر، والحجة الحاضر هو الإمام المهدي صلوات الله عليه. إذن يجب أن يرضى عنك فإذا علمت أن رضى الله مرهون برضاه ومربوط برضاه حينئذ الموقف بلا شك سوف يتغير ويتبدل. مجموع هذه الأمور إذا نضجت في الذهن:

إذا علمنا إن الإمام حي يرزق وشاعر بنا تماماً، يحيط بكل ما نفعل وما نقول، يراقبنا مراقبة الأب الرحيم بأولاده يدعو لنا ليلاً ونهاراً. وعلمنا أن بقاءنا مرهون بوجوده. ثم علمنا أن رضى الله مرهون برضاه.

كل ذلك يؤدي إلى هذا الشعور الناضج المتكامل في أننا نعتبر الإمام فاعلاً في حياتنا ومؤثراً في اتخاذ القرار، كما نفكر في أي مسألة حيوية في الحياة ونقلق من أجلها ونفكر بها ونعتبرها دائماً هاجساً يومياً لنا، فكذلك سنفكر بالإمام المهدي (ع) وسنعيش معه وسننتظره.

المراة المنتظرة والتربية الموعودة

29 جولای 2009

تهدف هذه المقالة الي شرح دور الام في تربية الجيل الولائي وذلک بالاستفادة من الآداب والدساتير الواردة في النصوص الدينية ، وعرّج الکاتب في توضيح هذه المسألة الي الطرق والاساليب التربوية للجيل المهدوي والاستعانة منها.

واشار الکاتب في هذه المقالة الي ثمانية طرق اساسية يجب ان تتبعها الامهات کي تکون تربيتهن تربية مؤمنه بالامام المهدي عجل الله تعالي فرجه الشريف وناصره له.

وتبدأ هذه الطرق منذ انتخاب الزوجة وتستمر الي انتهاء دورة المراهقة ويهدف الکاتب فيها ايضاً الي اثبات موضوع مهم الا وهو ان الغفلة وعدم الالتزام بالاداب الاسلامية والاحکام الواردة في هذا المجال سيؤدي بالتالي الي فشل العوائل في تربية جيل ولائي في العصر الحاضر.

الکمات الرئسية: المرأة المنتظرة، التربية الموعودة، الجيل المهدوي، دور الام في تربية الجيل

حقیقه المهدویه و دلائل الغیبه

24 جولای 2009

المهدي في السنة

لا يخفى على من طالع الأحاديث أن قضية المهدوية مطروحة في زمن النبي(ص) ويذكر فيها تعيين نسبه بل وحتى غيبته ونشير إلى ذلك إشارة لوضوحه:

1- ذكر الحاكم في المستدرك ج4 ص58 بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله(ص) قال:تملأ الأرض ظلماً وجورا فيخرج رجل من عترتي يملك الأرض سبعاً أو تسعاً فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً.

وقريب منه مسند احمد ج3 ص17 وقريب منه أيضا سنن أبي داود ج4 ص152 وكذا في مجمع الزوائد ج7، ص317، والتدوين ج2، ص84، وتذكرة الحفاظ، ج3، ص838، وفرائد السمطين، ج2، ص334.

2- وجاء في الصواعق المحرقة ص98: اخرج الروياني والطبراني وغيرهما - المهدي من ولدي وجهه كالكوكب الدري، اللون لون عربي والجسم جسم إسرائيلي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا، يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في الجو يملك عشرين سنة.

3 - وفي فرائد السمطين بسنده إلى أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب قال: قال رسول الله(ص) المهدي من ولدي يكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم يأتي بذخيرة الأنبياء فيملأها قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلما.

وهناك اخبار اخر تبين اوصافه وصلاة عيسى بن مريم خلفه ومقامه في الآخرة.

ملاحظة: ولوضوح فكرة الأعتقاد بالمهدي فإن الأمة منذ ايامها الأولى قد اعتقدت جماعة منها ببعض الأفراد ظناً منها أنه المهدي الذي ذكره النبي(ص) ولعل اول من اعتنق هذه الفكرة الكيسانية ثم فرق أخرى حتى أن بعض الحكام كان يسمون أبنائهم بالمهدي طمعاً بأنْ يكون هو الموعود مع أن ذلك كان خطأ منهم لأن النبي عرفهم نسبه ولذا كان الحكام في أشد الحذر من أبناء الحسين حتى حاصروهم وضيقوا عليهم إلى أن وصلت النوبة للرضا فأحضروه في خراسان ثم ابنه في بغداد ثم ابنه علي الهادي في العسكر في سامراء ثم ابنه العسكري هناك أيضا لمعرفتهم بأنه يكون من هذا النسل الطاهر ولكن مشيئة الله غلبت مشيئة الحكام الجائرين حتى حرسه عن اعينهم فأمر المهدوية ليس فكراً مبتكراً ومستحدثاً بل هو من اعماق اعتقاد الأمة وإن اختلف بعضهم في التطبيق وفكرة الغيبة قد ذكرت أيضا في بعض الأحاديث كما نقلنا لك نموذجاً منها مع ما عرفت من الحكمة فيها.

وظائف الإمام

إن وظيفة الإمام هي القيام بمهام الدين والقيام مقام النبي(ص) في التبليغ وبيان الأحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكومة الظاهرية لإقامة العدل حيث انه الحامل للعلم الإلهي حتى يرجع إليه، وانه يحكم بالقسط والعدل ويقوم بإقامة الحدود وإحياء الكتاب والسنة، وأن يصلح بين الناس، وأنه يهدي بأمر الله تعالى أي يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويدعو إلى الله ويعمل الخيرات، وأن ذلك لا يتم إلا بالجعل الإلهي والتعيين من قبل الرسول الأكرم(ص) وإذا عرفت كل ذلك فكيف يمكن أن يغيب الإمام(عج) ويترك وظيفته؟

والجواب عن ذلك انه لم يترك الوظيفة إذ أن بعض الوظائف قد تكون عينية يعني لا يقوم بها إلا الشخص نفسه كالصلاة والصيام والحج وبقية العبادات العينية.

وبعض الوظائف يمكن أن يكلف بها غيره فلا يعد حينئذٍ تاركاً لوظائفه مثل الرئيس أو المسؤول إذا أراد السفر يعيّن شخصاً ينوب عنه وهذا ما كان في سيرة النبي(ص) حيث كلما خرج في سفرٍ عين خليفة له يقوم بمهام الأمور نيابة عنه ونحن نذكر هذه الأمور باختصار:

أما الأول: بما انه حامل للعلوم الإلهية حتى يرجع إليه فقد بث الأئمة(ع) علومهم للرواة والعلماء وأمروهم بكتابتها وقالوا لهم سوف تحتاجون إليها فهدوا العلماء للقيام بالوظيفة وهذا الأمر واضح إذ ليس كل الأمة كانت تراجع النبي(ص) بل لابد أن يتعلم جماعة ويبلغوا الباقين كما قال تعالى (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (1).

وهكذا الناس في المدن والقرى لا يراجع كلهم العلماء بل قد يستندون في اخذ العلم والفتوى إلى وسائط وهذه طريقة عقلائية لا غبار، عليها فكذلك الأئمة(ع) قاموا بتغذية الرواة بالعلوم وما يحتاجه الناس في عصر الغيبة وجمعت في ذلك اصول اربعمائة من كتب الرواة وجمعت بعد ذلك كتب الروايات الكثيرة وهذه الوظيفة قد ارجعت الى العلماء والرواة فقد ورد في المكاتبة الشريفة: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فهم حجتي عليكم وانا حجة الله عليهم.

واما الثاني: (وهم حجتي) بالقسط والعدل فهذا يشترط فيه التمكن إذ ربما يكون ظاهرا وغير متمكن كما كان الأئمة في عصرهم إذ لم يكونوا مبسوطي اليد فهذا الأمر يرتبط بالإمكان حتى في جانب النبوة فالنبي(ص) في مكة ما كان مبسوط اليد وتمكن في المدينة فاقام الحكومة العادلة.

وأما الثالث: وهو الإصلاح وهو من مهام الأمة كلها الا انه اظهر الافراد فيها ويشترط فيها الظهور وفي الغيبة يقوم بها العلماء والقائمون بالأمور.

أما الرابع: الهداية والأمر بالمعروف فقد القي على عاتق العلماء إذ هو من مهام الأمة كلها حيث قال تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) (2) ونسبة هذا الأمر للأمام باعتباره اظهر الأفراد ويقوم بذلك العلماء وبقية الأمة.

وأما الخامس: فكما هو مجعول من قبل الرسالة ومن قبل الله تعالى فكذلك ارجع الأمة إلى نوابه بالنيابة العامة كما كان يرجع الأئمة من ذي قبل الناس إلى الثقات من الرواة فقد ورد عن الرضا(ع) حين سأله أحدهم عن يونس بن عبد الرحمن: آخذ عنه معالم ديني؟ قال: (نعم ثقة خذ عنه معالم دينك). وكذا ورد عن غيره فكذلك هنا ارجع الإمام إلى الرواة وقد ورد في حديث (من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فعلى العوام أن يقلدوه) فيكون الرجوع في زمن الغيبة إلى أمثال هؤلاء الذين اوقفوا حياتهم على العلم لخدمة الدين وخدمة المسلمين وحل مشاكلهم والقيام بالمهام الظاهرية والوظائف الدينية.

وعلى هذا فالغيبة لا تنافي الامامة كما لا تنافي النبوة حيث أن عيسى حينما رفع إلى السماء بقيت نبوته ودينه مستمرة حتى ظهر نبينا محمد(ص) فيما كان عيسى غائبا عن قومه ما يقارب 530 سنة ومع ذلك لم يشكك أحد في نبوته فالذي يضر بالامامة ترك الوظائف تماما ولم يحصل هذا مضافا إلى امكان الالتقاء به لبعض مهام الامور في الغيبة الصغرى مع انه كان قد عين نواباً يرجع إليهم بالنيابة الخاصة.

وكان الأول منهم عثمان بن سعيد والثاني محمد بن عثمان والثالث حسين بن روح النوبختي والرابع محمد بن علي السمري ثم جاءت الغيبة الكبرى وقد التقى به في الغيبة الكبرى في كل عصر عدد من العلماء وكثير من الناس ونقلت أخباره في كتبنا عن طريق ثقات العلماء الذين شاهدوا وعاصروا كثيرا من اصحاب القصص بما لا يمكن تكذيبه لانه من المتواتر الموجب للقطع واليقين.

قيل في سبب تدرج الغيبة

وانما قد تدرجت الغيبة من الصغرى إلى الكبرى المستمرة إلى يومنا هذا لان الناس كانوا قد اعتادوا اللقاء بالامام وسماع الاحكام وخصوصا اعتادوا خلال قرنين من سماع الإخبارات الغيبية والاحكام الشرعية فلما قدرت الغيبة في الحكمة الالهية جاءت التقادير الظاهرية جارية على عزل الإمام عن الناس ظاهرا وبدأ ذلك من زمان الإمام موسى بن جعفر(ع) حيث سجن في بغداد وحصلت العزلة بينه وبين شيعته الا أن الكتب ما كانت تنقطع وكان السجن في خلال سبع وقيل أربع عشرة سنة وكذلك ما حصل للإمام الرضا(ع) واحضاره في خراسان، وبعده الإمام الجواد، في بغداد تحت نظر السلطة العباسية وبعده الإمام الهادي(ع) في سامراء وكذا الأمام العسكري ففي خلال قرابة 85 سنة أي قرابة قرن فإن الناس قلما كانوا يلتقون بالإمام وكان بين فترة واخرى يحصل بينهم وبين الإمام فراق إلى أن حصلت الغيبة سنة 260 هـ سنة وفاة الإمام الحسن العسكري(ع) ولكن لم يكن الناس قد انقطعوا تمام الانقطاع بل كان النواب يتحملون مسؤولية حل المشاكل المرتبطة بالشيعة لمراجعتهم للإمام فكان الناس قد تهيئوا للفصل الظاهري عن الإمام(عج) وبذلك لم تحصل الفجوة ولم يحصل ما يوجب اختلال الوضع المعتاد عليه فجرت المقادير حسب تقديرات موافقة للحكمة الإلهية فحصلت بعد ذلك الغيبة الكبرى ولكن الناس لم ينقطعوا فيها تمام الانقطاع بل كان يحصل الفوز باللقاء لبعضهم.

فلسفة لقائه(عج) مع الآخرين

مما لا ريب فيه وجود التواتر الموجب للقطع واليقين في انه قد حصل اللقاء بالامام وفائدة ذلك اللقاء على وجوه:

1) انه(عج) أوصى جماعة بالالتزام بالدعاء له وللفرج العام

2) دعاهم أن يوصلوا وصايا للناس بالالتزام بالنوافل والمواظبة على قراءة بعض الزيارات مثل الجامعة وآل يس وزيارة الحسين(ع).

3) اوجب الهداية لبعض العلماء الذين كانوا على مذاهب أخرى مثل لقاء بعض علماء الشافعية به ورجوعهم إلى مذهب اهل البيت(ع).

4) حضهم على الايمان حتى تطمئن القلوب بوجوده وبلطف نظره لهم.

5) كان لنجاة شعب كالبحرين في قضية الرمانة التي لبسها على الحاكم الوزير ضد الشيعة فكشف الإمام له مكره وخديعته وبذلك ارتفع العذاب عنهم.

6) لشفاء بعض المرضى والدعاء لهم وكما عرفت قضية إسماعيل الهرقلي واشتهرت.

7) للدفاع عن الاشخاص في قضايا شخصية وخلاصهم من الخطر الذي هم فيه.

8) توجيهات لبعض العلماء في أعمالهم وتأييد لبعضهم الآخر.

9) رفع اليأس والملل الحاصل في طول الغيبة بين فترة وأخرى.

10) اشتراكه في بعض الشعائر حتى يتم الحفاظ عليها لاهتمامه بها.

وبذلك يعلم اهتمامه بالناس وعدم اهماله لهم وهذه من أهم الفوائد واعظمها في زمن الغيبة وهذه تعد من الوظائف الظاهرية، وهناك فوائد باطنية وغير ملموسة وقد أشار إليها هو(ص) حين سئل عن فائدة وجوده في الغيبة قال: وأما فائدة وجوده في الغيبة فكالشمس من وراء الغيوم فكما أن الغيوم لابد أن تزال ولاتبقى فكذلك الغيبة وكما أن الغيوم لا تؤثر على وجود النهار مع كون الشمس خلف الغيوم فكذلك غيبته لا تؤثر في المؤمنين بل يلتفتون إلى وجوده الشريف.

وكما أن الغيوم موجب لفصل الشمس عن اعين الناس مؤقتا فكذلك الغيبة وكما أن الغيوم تنبه الغافلين على وجود الشمس فكذلك الغيبة تنبه الناس أن لهم اماما ويلتفتون إلى قدره فلربما يكون الإنسان في نهاره وهو غافل عن وجود الشمس واهميتها فكذلك الغيبة.

وكما أن الغيوم قد توجب الغم لفقدان الشمس فكذلك الغيبة قد توجب الغم لعدم اللقاء، وكما أن الشمس من وراء الغيوم يمكن الاستفادة منها بل فائدتها عامة وشاملة فكذلك فائدة وجوده حتى في زمن الغيبة. وبذلك يظهر أن وجود الشمس لا يساوي العدم فكذلك وجوده الشريف حتى مع الغيبة لا يساوي عدم وجوده لكثرة فوائد وجوده حتى مع الغيبة.

حقيقة الانتظار

أن مسألة انتظار المصلح العام ليست مسألة مختصة بطائفة من المسلمين بل هي عامة تهم المسلمين اولا لان مسألة المهدي في الفكر الإسلامي قضية مسلمة ومتفق عليها وانه هو الذي يملأ الارض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا كما مرت علينا الأحاديث.

وثانيا أن هذه المسألة توجد في كل الاديان ولكنها تختلف في تطبيق المصلح على المصداق أو الشخص فالمسيحيون ينتظرون رجوع السيد المسيح(ع) ونحن أيضا نقول برجوعه وانه كما تقول احاديث المسلمين يصلي خلف المهدي.

بل هذه العقيدة ليست من معتقدات الديانات السماوية فقط بل حتى الأديان الأخرى كلها تعتقد أن يوما من أيام الدهر سيكون منطلق الفرحة لتحقيق الأمل المتوقع من انتشار العدالة والحكومة الموحدة بل أن بعض المذاهب الأيديولوجية مثل الاشتراكيين لهم أمنية يعتقدون بأنها ستحقق يوماً ما وهي أن تسود الأرض الاشتراكية وتكون الأرض كلها جنينة واحدة ولعل هذه الأمنيات البشرية تتماشى مع الفطرة السليمة والطباع المستقيمة حيث يشعر الإنسان بفطرته أن هناك امنية كبيرة لابد أن تتحقق يوماً ما ويسود السلام والسعادة على كل الأرض ويزول الظلم والفقر والجهل. أما من هو المحقق لها فكل يذهب حسب ما تقتضيه عقيدته ونحن نقول هو الخليفة الذي اعده الله تعالى لنصرة دينه مع ما له من اوصاف وارتباط بالله وقدرة وحكمة وإدارة لشؤون العباد والبلاد فهو الذي يحقق الاماني فلذا جاء في الحديث الشريف عن النبي(ص): (افضل اعمال أمتي انتظار الفرج) وورد حديث اخر عن النبي(ص): (افضل العبادة انتظار الفرج).

ولعل الانتظار ليس هو الانتظار والجلوس، بل حقيقة الانتظار لتحقيق الأمنية تكون مصحوبة بإيجاد الأوصاف المساعدة للانتظار فكما أن الإنسان الذي ينتظر ضيفه يتهيأ بإعداد ما تتطلبه الضيافة فكذلك انتظار الإمام لا يكون إلا بإعداد النفس. أولا بقبول أوامره والتسليم له وثانيا: إيجاد الأرضية المناسبة لذلك أي يشترك بإعداد الآخرين لذلك، وثالثا: الجانب الإعلامي لذلك والتحدث عنه لئلا ينسى هذا الأمر، ورابعا:تفهم الناس خطط الأمام وما يريده من تحقيق العدالة غير المضرة بأحد تنطلق من قاعدة لا ضرر ولا ضرار فهي تجري في حدود الحريات الإسلامية، وخامسا: بيان الصورة الناصعة والصحيحة له ورفع التشويه الاعلامي المخادع بأنه سيقتل ويصلب ويسجن ويجلد وغير ذلك بل يعمل عمل الأنبياء لاصلاح النفوس ورفع الامراض وارجاع الصحة والامان ونشر العدالة ورفع الظلم، فهو كما قال امير المؤمنين(ع) واصفا رسول الله(ص): (كان طبيبا دوارا بطبه)، فاذا اراد قتل احد فانما يقطع الجراثيم المعدية من المجتمع لئلا يسري الفساد فلم الخوف منه بل لابد من التباشر به وبهذا نعرف سر كون الانتظار من افضل الاعمال ولذا عبر عنه النبي الاكرم(ص) بافضل الاعمال لان الانتظار عمل وليس جلوساً وسكوتاً فلذا ورد: (من مات منتظرا لهذا الامر كان كمن هو في فسطاط المهدي.. ) ولا يكون بهذه الدرجة في الفسطاط إلا بالعمل والإعداد لا السكوت والجلوس.

بعض ما جاء عن المهدي في كتب اهل السنة

وردت حول المهدي احاديث كثيرة في كتب اهل السنة سواء في الصحاح او غيرها وقد جمع بعض ما جاء في الصحاح في كتاب (المهدي في السنة) لآية الله السيد صادق الشيرازي وجاء مجموع خاص منها في (القول المختصر في الأمام المنتظر) لابن حجر طبع اخيرا وكتاب (الملاحم والفتن) لابن مندة وغيرها من الكتب الكثيرة، وقد جمعت (موسوعة الأمام المهدي عج) اكثر الأحاديث في عدة مجلدات ووصلت الاحاديث عن الأمام(عج) إلى قرابة ستة آلاف حديث على ما قاله الشهيد السيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر في كتابه (بحث حول المهدي) وجمع كثيرا من هذه الأحاديث كتاب (من هو المهدي) لابي طالب التجليلي في فصول خاصة عن كتب أهل السنة، وأشار المرحوم العلامة السيد كاظم القزويني إلى مجموعة من الكتب والاحاديث المعتبرة عند اهل السنة في كتابه (المهدي من المهد إلى الظهور). وهناك كتب أخرى في هذا الموضوع وقد نقل السيد الجلالي في كتابه (احاديث المهدي في مسند احمد) اكثر من مئة وثلاثين حديثا عن المسند.

واليك بعض النماذج المختلفة مبوّباً ذلك للتوضيح:

1- انه يملأ الأرض قسطا وعدلا

مستدرك الحاكم ج4ص558 بسنده عن سعيد الخدري انه قال: قال رسول الله(ص): (تملأ الأرض جورا وظلما فيخرج رجل من عترتي يملك الأرض سبعا أو تسعا فيملأ الأرض قسطاً وعدلا) وفيه أشار إلى انه من العترة الذين قال عنهم (انهما لن يفترقا كتاب الله وعترتي) ونقل قريباً منه كل من مسند احمد من ج3 ص17 ومسند ابي داوود ج4 ص152 وتذكرة الحفاظ ج3 ص838 وفرائد السمطين ج2 ص334 وغيرهم.

2- ان له غيبة:

جاء في فرائد السمطين ج2ص335 بسنده عن امير المؤمنين(ع) قال: قال رسول الله(ص): (المهدي من ولدي يكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم يأتي بذخيرة الأنبياء فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا).

3- في وصفه

في الصواعق المحرقة ص98 بسنده: المهدي من ولدي وجهه كالكوكب الدري اللون لون عربي والجسم جسم اسرائيلي يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يرضى بخلافته اهل السماء والارض والطير في الجو يملك عشرين سنة –انظر إلى الحديث أولا انه من ولد النبي(ص) وثانيا انه خليفة (يرضى بخلافته) وفي بعض الأحاديث انه من ولد فاطمة وفي أخر انه من ولد الحسين وفي بعض انه التاسع من ولد الحسين وبذلك تعرف أن ذلك ينطبق على الأمام الحجة الذي نعتقد به تماما دون شك ولا ريب.

4- إنكاره موجب للكفر

جاء في فرائد السمطين عن النبي(ص): من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما انزل على محمد(ص) ومن انكر نزول عيسىفقد كفر …الخ، فلهذا ورد في بعض الأحاديث أن عيسى يصلي خلفه وفي آخر: من انكر المهدي فقد انكرني.

5- انه طاووس اهل الجنة

نقل ابن الصباغ في الفصول المهمة باسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله(ص) (المهدي طاووس أهل الجنة) والجنة مظهر جمال الله تعالى والطاووس مظهر الجمال ايضا فيكون مظهر جمال الجنة وهي مظهر جمال الله تعالى ولا يتنافى ذلك مع كون النبي(ص) افضل منه إذ لكل منهم درجة ومظهر وقد ذكر ذلك النبي(ص) حتى بين مقامه عند الله تعالى وفي الآخرة والجنة.

6- عناية الله بامره

(الحاوي للفتاوى ج2 ص78 ط مصر) عن النبي(ص): (المهدي يصلحه الله تعالى في ليلة واحدة) ومعناه كما جاء في احاديث أخرى يصلح الله امر المهدي في ليلة اوفي عشية بمعنى يهيئ له أسباب الظهور ولا يحتاج ذلك إلى وقت كثير عند الله تعالى إذ هو الذي يتولى ذلك.

7- صلاة عيسى بن مريم خلفه

نفس المصدر السابق ص81 عن حذيفة قال: قال رسول الله(ص): (يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم كأنما يقطر من شعره الماء فيقول المهدي تقدم صل بالناس فيقول عيسى انما اقيمت الصلاة لك فيصلي خلف رجل من ولدي).

8- البركة والخير ورفع الفقر به وظهور الإسلام وتأييد الملائكة له

مختصر تذكرة القرطبي ص127 ط مصر، (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يليهم رجل من اهل بيتي تكون الملائكة بين يديه ويظهر الإسلام ويكثر المال فياتيه الرجل فيقول يا مهدي اعطني فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله).

9- احتوائه للمعارضات باجمعها

الصواعق ص98 ومنتخب تاريخ دمشق ج5 ص284 ط روضة الشام بالسند المذكور عن ابي الطفيل قال: سمعت عليا(ع) يقول (إذا قام قائم آل محمد(ص) جمع الله له اهل الشرق والغرب فيجتمعون كما يجتمع فزع الخريف) - فيه إشارة إلى أن غيم الخريف متفرق فيجتمع فكذلك تجتمع الطوائف المتفرقة والمتشتتة تحت لوائه وطاعته لادراكهم العدالة والرحمة وتحقيق الاماني به.

10- بعدله يُنزل الله المطر وتخرج الأرض بركاتها والجميع يتمنى زمانه

تذكرة الحفاظ، ج3، ص838، بسنده عن ابي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله(ص) بلاء يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ اليه من الظلم فيبعث الله رجلا من عترتي اهل بيتي فيملأ به الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا تدع السماء من قطرها شيئا إلا صبته مدرارا ولا تدع الارض من نباتها شيئا إلا اخرجته حتى تتمنى الأحياء والأموات أن تعيش في ذلك…

خاتمة المطاف اشكالات وردود

هناك اشكالات قد تطرح وحيث أن السائل لم يسمع لها جوابا فقد يتصور انها اشكالات عميقة ولا جواب لها واقعا فتضر بالاعتقاد بها وفي النهاية لابد من الرجوع عنها فنستعرض أهمها ونجيب عنها وان كان قد يفهم جوابها من الأبحاث الماضية دون أن ينتبه لها القارئ فلنفردها بالجواب، منها -.

الأول: إن مسألة السرداب وكون الأمام فيه من الأوهام والخرافات.

وجوابه أن السرداب هو المكان الذي يحفر تحت الأرض في الاماكن الحارة عادة يكون بعيداً عن الشمس وقريباً من الرطوبة يكون بارداً وقد كان ذلك من القديم ولكن اعتقاد الشيعة به ليس لاجل انه يسكن فيه الإمام حيث لم يتفوه بذلك أحد قط بل لاجل انه كان في بيت الأمام الهادي والإمام الحسن العسكري(ع) وان الإمام الحجة كان في اوائل عمره فيه لأجل كونه تراثاً فيه ذكريات الأئمة نحترمه واما كون الأمام يسكن فيه فهو تهمة مفتراة وهي ليست تهمة مستحدثة بل كانت من القديم.

نعم هناك رواية واحدة تقول أن الإمام حينما هجموا عليه بعد الصلاة على ابيه التجأ إلى السرداب وغاب عن الانظار ولكن ليس معنى ذلك انه مقيم فيه إلى الآن، يقول الشاعر:

عيسى اختشى شر النصارى فاختفى***وهو اخشــــــــى من شركـــــم ما بانـــــــــا

هـــذا كـــذاك وانــــــتـــم كـــأولئـــــك***حرفـــــاً بحـــرفٍ لا نزيـــــــد بيـــــانــــــــــا

ولم يقل أحد أن سيظهر من السرداب بل تردد في الأحاديث انه يخرج في بيت الله الحرام نعم قد وردت زيارة في السرداب كما وردت زيارات في اماكن أخرى بل تستحب زيارته في كل مكان وفي كل زمان.

الثاني: أن مسألة الإمامة عقلية وطرحها بعض العلماء بعنوان اللطف والمسائل العقلية قابلة للخلاف.

وجوابه أن الذين بحثوا مسألة الإمامة من الناحية العقلية وقالوا لابد من وجودها في كل زمان لم يحصروها بالبحث العقلي بل ارادوا تاييد الادلة الشرعية النقلية بذلك حتى تكون المسألة اقوى عندهم والواقع أن المسألة ترتبط بالشارع المقدس وانه قد قال رسول الله(ص): (من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية) وهو حديث معروف يروى في الصحاح والسنن عن عبد الله بن عمر ومعناه أن من مات لابد أن يكون له امام يعرفه والحديث مطلق يشمل كل زمان ومكان فكل انسان يعيش في ايّ بقعة من بقاع الأرض لابد أن يكون يعترف بامام زمانه ويعرفه ومَنْ مِن ادوات العموم كما قال أهل الأدب والأصول، يعني كل انسان مكلف في كل زمان وفي أي مكان لابد أن يعرف امام زمانه ونحن في هذا الزمان إن لم يكن لنا امام زمان يكون موتنا على الجاهلية مع التزامنا بالاحكام الشرعية وهو باطل.

وبما أن الحديث صحيح نعرف من اطلاقه انه لابد لكل زمان من امام وما زعمه البعض انه إذا وجد الأمام فلابد من معرفته وان لم يوجد إمام فلا يلزم ذلك غير صحيح.

لان الحديث عام مطلق ويفهم منه أهل اللسان بانه عام ولكل فرد مكلف، ومطلق يشمل كل زمان مع ضميمة قوله(ص) في حديث الثقلين حيث قال فيه (كتاب الله وعترتي اهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) فنفى الافتراق فلا يمكن أن يوجد الكتاب بدون العترة القرينة له فالامام الذي نتكلم عن وجوده في كل زمان هو الذي يكون من العترة وقريناً للكتاب وهذا المعنى مردود قد فهمه ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 149 حيث يقول بعد ايراد الحديث: وفي احاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة كما أن الكتاب العزيز كذلك ولهذا كانوا اماناً لاهل الأرض ويشهد بذلك الخبر السابق: في كل خلف من امتي عدول من اهل بيتي الخ.

الثالث: عدم وجود نصوص تدل على ولادته وانه الإمام الحسن العسكري.

وجوابه يعلم مما سبق وقد نقلنا النصوص المتعددة عن كتب اهل السنة القائلين بولادته سنة (225هـ) مضافاً إلى مئات النصوص من طريق الامامية الدالة على ذلك فراجع (من هو المهدي) في فصول نسبه حيث يبين انه من ولد النبي ومن ولد فاطمة ومن ولد الحسين وإنه ابن الأمام الحسن العسكري ففيها التواتر الذي لا شك فيه وبه تطرد الشكوك والشبهات عن ذهنك حول نسبه.

الرابع: لو قلنا بالمهدي لا نقول ولد بل هو سيولد قبل ظهوره بما يقدر الله له من سنوات.

الجواب لا بد من القول بولادته لأنه قد ثبت انه ابن الإمام الحسن العسكري دون ريب مع القول الصحيح بوفاة الأمام الحسن العسكري سنة (260هـ) مضافاً إلى انه لابد من أن توجد فيه صفات الإمامة التي منها ميراث علم رسول الله(ص) كابراً عن كابر فلابد أن يكون قد ولد واخذ ذلك من والده لئلا يلزم أنه إما أن يكون جاهلاً غير ممتازٍ عن الناس أو يكون يتلقاه عن طريق جبرئيل وحيث الأول باطل لأنه لابد أن يكون عالماً بالكتاب والسنة ويجيب عن كل ما يسأل عنه فلا يصح منه الجهل وأما تلقيه عن طريق جبرئيل فهو طريق غير متعارف حيث أن جبرئيل يرتبط بجانب النبوة والوحي إلا ما كان نادراً مثل نزوله على مريم وغير ذلك وحيث هو غير متعارف فلا يصح الاعتماد عليه فلا بد أن يكون مولوداً وحياً حين وفاة والده. ولعل قائل يقول مات والده وسوف يحيا ويرجع للدنيا وبعدها يولد أو أن الإمام مات وسوف يرجع يقال في كلا الفرضين يلزم ما ذكر في الإشكال السابق من عدم وجود إمام زمان وهو باطل.

وأما القول بحياة والده لحد الآن فلم يقل به أحد مع انه يلزم منه أن يقال ما الفرق بين حياة والده وحياته فليكن هو موجود وبالنتيجة ليكن الاعتراف بحياة والده وطول عمره مع كونه غائباً وهذا ما أراد الفرار منه فمن الأدلة الماضية تعرف انه لابد من أن يكون موجوداُ ولابد من الاعتراف به ومعرفته وإلا يكون الموت دون معرفته ميتة جاهلية.

الخامس: أن مسألة المهدي مختصة بالشيعة ولم يقل بها أحد.

وجوابه يعلم مما سبق بان الأمة الإسلامية كلها من القديم كانت على عقيدة المهدي حتى تواترت عنهم الروايات في ذلك وان انكاره موجب لانكار النبوة كما مضى في ذلك الحديث بل قد كتبت الكتب الكثيرة في ذلك وأشرنا إلى بعضها من كبار المحدثين والحفاظ حتى نقل أن عدد الأحاديث في المهدي بمختلف شؤونه من ولادته ونسبه إلى حكومته وعلامات ظهوره حتى سنين حكمه بل حتى في الاخرة بلغت ستة الآف حديث فكيف يمكن انكار ذلك؟

وفي نهاية المطاف نقول أن الاعتقاد بالمهدي وحياته وغيبته وطول عمره وانتظار ظهوره يعد من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المؤمنين المتقين الذين ذكرهم الله تعالى في أول كتابه الكريم بقوله تعالى (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب..) وهذه من صفات المتقين وذلك لان الايمان به وهو غائب ايمان به عن طريق الدليل الشرعي الذي تلقيناه من الشرع المقدس الذي اخبر به قبل ولادته وعن كل اطواره فهو ايمان بالغيب الذي اخبرنا به.

وبذلك ظهر لك أن هذه الفكرة من صميم الإسلام بل من اصعب موارد الامتحان التي يمر بها الإنسان.

1- التوبة، 122.

2- آل عمران، 110.

دور الامام المهدی علیه السلام فی تربیه الشخصیه الاسلامیه 2

24 جولای 2009

ما يلي أهم هذه الآليات:

أولاً: الاعتماد على المجتمع في عملية التربية
من الواضح أن للمجتمع دوراً أساسياً في عملية تربية الفرد وترشيده وتنمية إدراكاته وتهذيب عواطفه إلى جانب دور الأسرة في ذلك و إلى جانب دور المقومات والتركيبة الأساسية في تكوين الفرد الفسيولجي. فالإنسان ينمو في بيئة و ينمو تحت إشراف غيره ولا بد أن يكون هذا الإشراف سليماً من الناحية العليمة وأن تكون البيئة التي يعيش فيها مناسبة له, من هنا فإن الإمام المهدي (عليه السلام) يستفيد من آلية المجتمع وديناميكيته الخاصة في عمله التربوي. و يمكن أن نلاحظ دور المجتمع في عملية التربية التي يخوضها الإمام (عليه السلام) كما يلي:

1- إن الإمام المهدي (عليه السلام) سوف يقوم بعملية كبرى في تغيير المجتمع ككل من خلال تعميق المفاهيم العامة للإسلام إذ الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يكتفي بالطرح البسيط لتلك المفاهيم؛ إنما يطرحها بصورة تتصل مع الاستجابة العملية سلوكاً وفكراً وعاطفة في كيان المجتمع بالشكل الذي يؤسس خطّاً وإطاراً اجتماعياً تبرز فيه المعالم الكاملة للمفاهيم الإسلامية وأثرها العملي وهذا ما يُسمى بلغة العقائد بـ (العصمة الاجتماعية العامة) أي أن المجتمع في عصر الظهور مجتمع يتصف بالعصمة بشكل عام أي أن المجتمع لا يمكن له أن يمارس ظاهرة اجتماعية منحرفة عن خط الاستقامة كما هو حال الأمم السابقة حيث انحرفت بعض الأمم فأشركت بالله تعالى أو مارست اللواط أو مارست التخفيف في الميزان أو قتل البنات أو ما شاكل ذلك من انحرافات عامة سقطت فيها المجتمعات السابقة في التاريخ. وحينما يكون المجتمع نظيفاً من الانحرافات, بعيداً عن السقطات في الفكر والسلوك والعاطفة؛ فإن ذلك سينعكس على الفرد الذي يدخل جديداً إلى ساحة المجتمع وسيتطبّع بالطبع الاجتماعي العام. إذ ان الفرد الذي يرى مجتمعاً موحّداً مؤمناً بالله مستقيماً في سلوكه ويرى في تلك الاستقامة الضمان الأكيد لربح الدنيا والآخرة, بل ويتسابق في عمل الخير والفلاح والصلاح, ?وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ?[1], ?وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ?[2].

فإذا فرضنا أن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يشيد مجتماً سليماً قائماً على أساس الإيمان والقيم الصالحة فإن ذلك سيدفع الفرد إلى تلقي تلك التعليمات بصورة عفوية والتفاعل معها بلا عناء وجهد تربوي شخصي.

ثم هنالك شعور فردي عميق في كيان كل فرد في لزوم التطابق مع الكيان الاجتماعي العام في النطاق النظري والعملي, وذلك لأن ذلك التطابق – عادة – يؤمّن للإنسان ضروراته المادية والمعنوية. إذ ان الشذوذ الاجتماعي مهما كانت نسبة مصداقيته, سوف يمنع الفرد من التعاطي مع المجتمع, وسوف يدفعه إلى التصادم معه وحرمانه من إمكان الاستفادة من إمكانات المجتمع في تلبية حاجاته الأساسية. وبعبارة أخرى, إن التعايش مع المجتمع والتطابق معه في ضوابطه وظواهره أسلوب وحيد في التعامل مع المجتمع وتلبية حاجاته. ولذلك على الأشخاص الذين يريدون أن يطرحوا صيغة جديدة في مجال من مجالات المجتمع أن يتحملوا ضغوطاً عنيفة, وهذه الضغوط تتصاعد كلما تمايز الفرد في سلوكه وفكره عن الاتجاه الاجتماعي العام.

وتأسيساً على ذلك فإن الإمام المهدي (عليه السلام) يبني مجتمعاً قويّاً في فكره وعقائده, واضحاً في سلوكه وعواطفه, دقيقاً في التعارض مع الفرد.

فالانسجام مع هكذا مجتمع يكون الأسلوب الوحيد للتحرك في إطار المجتمع والتعاطي معه.

ولا يعني ذلك أن الفرد سيتحول لولباً في ماكنة المجتمع, إنما يعني أن المجتمع يتحرك في إطار رعاية الفرد وضرورة تأمين السلامة النفسية والروحية والمادية له بصورة لا تسلب اختياره ولا تحرمه من الفاعلية والمبادرة في هذا الميدان.

فالمجتمع إنما يمارس دور التوجيه التربية بصورة لا تسلب من الفرد حريته ومسئوليته الشخصية, إنما يمارس ذلك الدور في إطار رعاية الفرد ومساعدته في تأمين فرص التطور والرقي وتحقيق أهدافه الشخصية التي هي أهداف المجتمع ذاته.

»إن المجتمعات تدين في وجودها إلى تنظيم سلوك الأفراد الذين تتألف منهم وتكييفه تكييفاً متبادلاً, وكذلك تنظيم مواقفهم وتكييفها. ويتم التوصل إلى هذا التنظيم عن طريق إسناد أوضاع معينة إلى كل فرد وتدريبه على القيام بالأدوار التي تقترن بها«[3].

إن الإمام المهدي يبني مجتمعاً قائماً على أساس ديناميكية خاصة تتعامل مع كل فرد بكل أشواقه واحتياجاته وتهيئ له فرص العمل والتكامل؛ فكل فرد يجد نفسه في دائرة واسعة من مجالات الفرص للاستفادة منها في تأمين شروط حياته الفردية والاجتماعية ويجد فرصاً كبيرة في تطوير كفاءته وشخصيته فلا حدود أمام حركة التطور والتكامل, بل جميع أفراد المجتمع يشعرون بأنهم مسؤولون عن مساعدة الفرد في حركته وفي تطوره وفي سعيه العام. الأمر الذي يدفع الفرد إلى الإحساس بالمسؤولية الشخصية إزاء هذا الموقف الاجتماعي العام الذي يثق بشخصه ويضع أمامه شروط التطور والتكامل, وهذه الخصوصية الاجتماعية ذات تأثير بارز في نشاطات الفرد وحركته.

ويمكن ملاحظتها من خلال المقايسة مع مجتمعاتنا الراهنة التي تتحرك في دائرة لا يجد الفرد خلالها أية فرصة للعمل والحركة إلاّ من خلال الصراع أو من خلال العلاقات والتصرفات الاجتماعية المنحرفة. فإن الفرد داخل هذه الدائرة يشعر بحرمانه من فرصة العمل والتطور, ولا يشعر بأن المجتمع يثق فيه ويضعه في موضعه بما يملك من طاقات وإمكانيات, بل وبما يملك من كفاءات حقيقية يمكن أن يخدم المجتمع بها, ولهذا فإن تطور الفرد وتكامله المادي والمعنوي يواجه عراقيل وعقبات كبيرة تحبط محاولاته وتضاعف عوامل الفشل والانكسار.

ثانياً: وإضافة إلى دور المجتمع في رعاية الأفكار الأساسية الرشيدة وحفظها حيّة نشطة في العلاقات الاجتماعية, يقوم نفس الإمام المهدي (عليه السلام) بعملية تربية كبرى للفرد وتهذيبه وتربيته. فإن الأفكار الرشيد التي يطرحها الإمام تدخل في قلب كل فرد من أفراد المجتمع وتتحول إلى حقائق حيّة تبعث في روح الفرد الأمل والنشاط والحيوية وتقوم بعملية تصعيد مستمرة لعوامل الخير في نفس الإنسان وتطوير لنوازع الإصلاح في كيان الفرد. وعملية التصعيد هذه, عملية فائقة جداً وسريعة وعميقة جداً؛ بحيث أنها تتحول إلى أفعاال وعلاقات وصور عملية قائمة في عمق العلاقات الاجتماعية.

إن ذات وجود الإمام (عليه السلام) نعمة كبرى للفرد والمجتمع حيث إن نفس سلوك الإمام (عليه السلام) وتعاطيه مع الفرد والمجتمع وطريقة تعامله مع شؤون الحياة يشكّل قدوة عملية للفرد وصورة حيّة.

فإن الفرد في المجتمع حينما يشعر أن الإمام (عليه السلام) إنسان مسدّد من الغيب, متصل بحبل الله, وهو البشرى التي بشر بها النبي (صلي الله عليه و آله سلم) من قبل, بل وينزل المسيح (عليه السلام) من عليائه ويصلي خلفه كرامة له … كل فرد من أفراد المجتمع يتأثر بكلام الإمام (عليه السلام) وإرشاداته وينفذها عملياً ومباشرة في حياته وعلاقاته الاجتماعية.

وفي ضوء هذا يتضح معنى بعض الروايات القائلة بأن الإمام (عليه السلام) بمجرد أن يسمح رأس مسلم في المجتمع يصير هذا المسلم عالماً زكيّاً.

ثم ان وجود الإمام المهدي (عليه السلام) بركة شاملة يفتح به الله خرائن الأرض وأبواب السماء. فكل شيء على هذه الأرض من جماد ونبات وحيوان يساهم من موقعه في بناء حضارة الإمام المهدي التي تقوم على العدل والرحمة. وبذلك تبلغ التقنية الحضارية في زمانه الذروة العليا وتُمكّن المهدي (عليه السلام) من بناء الإنسان المسلم والمجتمع الصالح.

ومن الواضح أن التقنية العالية والثروات العامة تساهم في عملية التربية والتهذيب الكبرى التي يخوضها الإمام (عليه السلام). إذ بمساعدتها يمكن إيصال كلمات الإمام (عليه السلام) وإرشاداته المستمرة إلى كل من أفراد العالم على حجمه ومباشرةً.

وهذا يعني أن التقنية العالية تساهم في اتصال كل فرد بالإمام (عليه السلام) مباشرة وتلقي التوجه اللازم في طيّ مراحل التكامل والتطور المعنوي والفكري.

إن من الواضح أن عملية التربية لا يمكن للمجتمع بمفرده أن يمارسها من دون إرادة الفرد في التغيير, ومن دون التفاعل مع المجتمع في هذا الفعل والانفعال التربوي؛ وذلك لأن إرادة الفرد في التغيير هي مفتاح الحركة والتحول والسير إلى الأمام؛ فالفرد الذي لا يقبل بالتفاعل مع الأفكار الرسالية لا يمكنه أن يتطور ويتكامل مهما اتسمت عملية التربية بالدقة, ومهما توفر لها من قيادات صالحة, إذ ما فعل النبي أمام نفسه مع أبي سفيان ومع أبي جهل وأمثالهما من فراعنة قريش, فإنهم رفضوا النور وفضلوا الظالم عليه حتى مع الإسلام السطحي الذي أعلنه أبو سفيان.

إن عملية التغيير تبدأ بإرادة واعية من قبل الفرد بضرورة التحول ولزوم تهذيب النفس والتخلص من الظلام الداخلي الذي تعيش النفس في أرجائه ولزوم فتح نافذة من نور الإسلام والهدى الذي يحمله المربي المعصوم المسدّد من قبل الغيب ليدخل نور الهداية والصلاح من خلالها إلى نفس الإنسان, ويضيء زواياها المظلمة وينقيها من خفافيش الظلام والباطل.

إن عملية التغيير السيكولوجي تبدأ من شعور الفرد بضرورة التكامل وتغيّر الكم الأخلاقي والباطني إلى كيفٍ ينسجم مع التطور المعنوي والأخلاقي الهائل الذي سيعمل الإمام (عليه السلام) على إيجاده… وبالضبط نظير مقدار من الطين الذي ليس له ماهية نافعة يتعامل معه لإيجاد شكلٍ جميل يسر الناظرين, أو مادة من الأصباغ المختلفة يرسم منها منظراً رائعاً, فإن القوى التي يتمتع بها الإنسان قوى هائلة وكمية من الإمكانات لا بد من تهذيبها وترويضها لتأخذ شكلاً معيناً مفيداً للفرد والمجتمع.

ودور الإمام (عليه السلام) في عملية التربية دور مزدوج؛ فهو من جانب يُحسّس الإنسان بواقعه ويشعره بلزوم التحول والتغيير, بل ان عملية التحول والتكامل مسألة ضرورية لا يمكن التسامح فيها إطلاقاً, وبديهة أساسية لا يمكن التغافل عنها, والخطوة الضرورية التي يجب على كل فرد في المجتمع القيام بها, ومن دونها يفقد الفرد مصداقيته الإنسانية والاجتماعية … إذ ان الإنسان في سرّ الله الذي آمن بالله واليوم الآخر عمل على طبق إيمانه, أي هذّب نفسه من عوامل الشر وتحلى بصفات الخير, وتحرك باتجاه الأعمال الصالحة. وبنفس الوقت يقوم الإمام (عليه السلام) بعملية إيجابية في مجال تغيير الفرد, وهي توضيح الأفكار والأخلاق الصالحة وبيان الصراط المستقيم في كل مجالات الحياة وبصورة مركزة, بصورة يستطيع الفرد أن يتلقاها ويتعامل معها ويجعلها هدفاً دائماً يتحرك باتجاهها بصورة مستمرة.

إن عملية التربية الفردية والاجتماعية تكتسب محتواها واتجاهها من مضمون الأفكار المركزية التي يعتمد عليها المجتمع في تكوينه الثقافي وعلاقاته الاجتماعية. فالفكر الذي يرفع الفرد إلى مصاف الإله ويقدس حريته المطلقة يخلق شخصية طاغية على المجتمع تتوقع كل شيء دون جهد ومشاركة في العمل الاجتماعي. وكذلك الفكر الذي يطحن الفرد في ماكنة المجتمع؛ فإنه لا يستطيع أن يرفع الفرد إلى مستوى الشعور بالوحدانية الشخصية الضرورية في عملية البناء والإبداع.

قال روبرت اوين, وهو يوضح هذا السلوك التربوي الخاطئ:

»إن تعليم الناشئة يجب أن يكون بالضرورة الأساس الوحيد الذي يقام عليه البناء الهيكلي للمجتمع. ولتنفيذ إعادة تربية المجتمع يجب أن ينشأ نظام قومي للمدارس تسيطر عليه الدولة مركزياً من خلال إحداث نظام قومي للتدريب والتربية تتولى توجيهه عقول كفيّة, حتى يصبح هذا النظام أداة أمينة وطيّعة وفعّالة واقتصادية في يد الحكومة«[4].

إن الاعتماد المطلق على المجتمع كوسيلة وحيدة ونهائية في تربية المجتمع طريقة خاطئة لا يمكن أن يملأ فراغات الإنسان ويكوّن شخصيته. كما أن منح الفرد – غير المعصوم – الدور الأساسي في عملية التربية لا يقل عن الاتجاه الآخر انحرافاً وابتعاداً عن المنهج الوسط والسديد في تربية الفرد والمجتمع.

ثالثاً: أما الآلية الثالثة التي يعتمدها الإمام المهدي (عليه السلام) في عملية التربية الفردية والاجتماعية, فهي مجموعة الأفكار الإسلامية التي تشكل بمجموعها قاعدة أساسية في عملية التغيير الفردي والاجتماعي. إن هذه القاعدة تتشكل من مجموعة من الإرشادات والأوامر والنواهي الشرعية والحكم والنصائح التي تتصل مع المسلم وتوجهه بصورة سليمة.

إن حجم تأثير الأفكار الإسلامية في عملية التكامل والتغيير الفردي يتصل مباشرة بتركيب هذه الأفكار وصفاتها وشروطها التي تتمتع بها, وذلك لأنها:

أولاً: مطابقة تماماً مع الواقع الذي تحكي عنه أو التي تريد أن تهدي إليه. ومن الواضح ان الأفكار الصادقة لها دور تأثيري هائل بخلاف الأفكار الخاطئة أو المنحرفة, فإنها لا يمكن أن تضع واقعاً حياتياً ثابتاً لا يتأثر بزوابع الاتجاهات المنحرفة أو الأهواء الباطلة.

وحيث إن الأفكار الإسلامية التي يريد الإمام المهدي تغيير الشخصية على أساسها مفاهيم صادقة جزماً؛ فإنها تنفذ إلى قلب الإنسان وتدفعه في حركة تغيير واسطة, إذا كان القائد لعملية التربية شخصية فريدة في سلوكها وفي إدراكها للحقائق والأفكار القرآنية كالإمام المهدي (عليه السلام) بل وحتى من قبل شخصية أدنى درجة من مقام المهدي (عليه السلام), كالسيد الخميني (قدس سره) الذي أحدث عملية تغيير وتربية واسعة في إيران, وذلك لأن
»التعليم الصحيح لا يكتسب بالألفاظ بل بفهم الحقائق. فما الألفاظ إلاّ رموز للحقائق ووسيلة للوصول إليها«[5].

إن مستوى أهمية الأفكار يتصل مباشرةً بحجم هذه الحقائق التي تكشف عنها الأفكار؛ فمثلاً, الإخبار عن وجود حيوان مفترس في البلد يترتب عليه سلوك وانفعال معين يختلف باختلاف الأشخاص, ولكن الإخبار عن أنه سوف تقع زلزلة بعد ساعة يولد سلوكاً مغايراً عن الأول…

أما الإخبار عن وجود حياة أخرى دائمة خالدة قد ينعم الإنسان فيها إلى الأبد وقد يُعذب إلى الأبد يولد موقفاً سلوكياً يختلف عن الأوليين, بل سوف يثير مجموعة من الاعتقادات الفكرية والعاطفية تجاه مستلزمات هذا العالم الثاني وشروطه.

وهذه الأفكار – ثانياً – تتفاعل مع فطرة الإنسان وإحساسه بأن الحياة الدنيا حلقة ضيقة في سلسلة الوجود الإنساني الذي سيخوضه الإنسان بعد ذلك, وبشعوره أن ميدان الحياة فرصة سريعة الزوال لا بد من استثمارها بجميع الإمكانات المعقولة.

وعلى أساس هاتين الفكرتين؛ أي فكرة الحياة الأخرى, وفكرة أن الحياة الدنيا مزرعة لتلك يقوم الإمام المهدي (عليه السلام) بعملية التغيير الكبرى التي لم يشهد لها التاريخ من نظير لأنها عملية تسع كل أفراد الإنسان وتستوعب سكان الكرة الأرضية جميعاً في ثورة فكرية وعاطفية وسلوكية وحضارية شاملة وعميقة تستهدف الأسس والمقومات المركزية التي يتعامل الإنسان مع مجتمعه وأفراده على أساسها.

فكما »كان ظهور الإسلام حدثاً عالمياً ضخماً ترتبت عليه نتائج هائلة لم تقف عند الحدود الجغرافية للبلاد التي شهدت بوادره الأولى, بل لقد تجاوزت هذه الحدود إلى ما وراءها واستمرت تفاعلاتها الفكرية والروحية تنتقل من بلد إلى بلد ومن أفق إلى أفق ومن عصر إلى عصر حتى فرضت نفسها على تطور الحضارة العالمية وأصبحت إحدى الظواهر الإسلامية لتطور الحياة والمجتمع«[6].

كذلك الحال حين يظهر الإمام المهدي, فإن عملية التغيير الفردي والحضاري سوف تطال جميع الأسس الحضارية المتعارضة وتستبدلها بأسس جديدة قائمة على أساس الإيمان بالله واليوم الآخر ومرحلیه الحیاه  الدنیا

دور الامام المهدی (عج) فی تربیه الشخصیه الاسلامیه

24 جولای 2009

بسم الله الرحمن الرحيم
عندما يظهر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ويتولى قيادة الأمة بعد الغيبة الطويلة سوف يحقق تحولاً تاريخياً في العالم أجمع ويُوجد مجتمعاً عالمياً واحداً في تركيبه الحضاري والسياسي.
إن المجتمع الذي سيوجده المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مجتمع فريد لم يرى التاريخ نظيراً له في جميع المستويات والأبعاد الفردية والاجتماعية والحضارية.

ولا نريد في هذا البحث الدخول إلى معرفة تفاصيل هذا التحول والتغيير الإنساني الفريد إنما نريد هنا أن نبحث الطريقة التي سيمارسها الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عملية التغيير هذه وأنه كيف يستطيع أن يحقق ما لم يتحقق للبشرية على امتداد وجودها التاريخي السحيق.

توجد عدة آليات يعتمد عليها الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في قيادة عملية التغيير وهذه الآليات حينما تلامس الحياة العامة للفرد والمجتمع تقوم بعملية التربية والتهذيب متى ما حاول الإنسان الفرد الابتعاد عنها جذبته إليها – اختيارياً – ودفعته بلطف ورحمة إلى الانسجام معها كما هو الحال في قوى الجاذبية كلما أراد شيء التخلص منها والانطلاق إلى الأعلى يجد نفسه يلتصق بالأرض من جديد بفعل هذه الجاذبية ولكن الفارق بين فعل الجاذبية وبين فعل الآلية التي يعتمد عليها الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عملية التغيير الكبرى في أن تلك الجاذبية تجذب الأشياء رغماً عنها ولا تسمح لأي شيء بالانفكاك عنها إلاّ بجاذبية أقوى تدفعه إلى الأعلى, في حين أن عمل الآليات التي يعتمدها الإمام المهدي في عمله تجذب الإنسان إلى السطح المستقيم تجربة واختيار ورغبة في الانفعال مع تأثيرات هذه الآليات على نفس الإنسان.

سلام جهان!

13 جولای 2009

به منجی بلاگ خوش آمدید.
این اولین پست شما در منجی بلاگ است. شما میتوانید آن را ویرایش کنید یا آن را حذف کنید.